الآهة الحراء.. في نصيحة مسلمي سيريلانكا الخضراء

المجهر.. المقال الأول

الآهة الحراء.. في نصيحة مسلمي سيريلانكا الخضراء

من ضمن مقالات (مجهر) احدى عشرة مقالة كتبها المؤلف في رحلاته إلى أقاليم شرق آسيا ما بين عامي 1436 – 1437هـ

001_الآهة الحراء

الحمدلله الذي له ملك كل شي وإليه ترجعون ، والصلاة والسلام على النبي الميمون سيدنا محمد بن عبدالله المبعوث بالحق والهدى من لدن من يقول للشيء : ( كن ) فيكون ، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار من يوم نزول الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم يبعثون .

وبعدُ فأسألُ الله التوفيقَ والسداد لنا ولكم جميعا ، والسير على الهدى والحق المُنْزَل من عند رب العالمين ، غير مُبَدِّلِين ولا مُحَرِّفين ولا مُفرِطين ولا مُفرِّطين .. اللهم آمين .

والنصيحة المبذولة من الفقير إليكم إنما صنعتها على غرار النصيحة التي كَتَبَها لأمثالكم وأشباهكم  في عصر سابق سيدي الجدُّ علويُّ بنُ عبدالرحمن المشهور ، الذي تردد على هذه الجزيرة مراتٍ كثيرةً وارتبطتْ أسانيدُه بأسانيد علمائها وشيوخها وأرباب التقى والولاية والعلم فيها ، ولا شك أنه بَيْن نصيحتِه لآبائكم وبَيْنَ نصيحةِ الفقير أكثرُ من  خمسين عاماً ، والتي سماها: الدرر   الحسان من   اليواقيت   واللؤلؤ   والمرجان   في   النصيحة   لأهل   كلمبو   وقالي   بسيلان ولكافة   أهل   الإيمان.

وكان الزمن آن ذاك رائقاً ، ولسان الحق واثقاً ، ومطر القبول بارقاً ، ولم يكن في جزيرتكم مخالفٌ ولا منافقٌ ، وإنما هي دعوةُ إسلامٍ خالصةٌ ، أو دعوةٌ وثنيةٌ في لُجَّةِ جهلها قانصة .

وبحمد الله اتسع شأن الإسلام ، وامتد ظلاله على الأكناف والأنحاء ، وانتشر فيما بين الأرض والسماء ، حتى غدا عزيزاً بأهله ، ومُصاناً بعَلِّهِ ونَهْلِهِ ، وعلى هذا المدى الطويل طرأ على بلاد الإسلام والمسلمين ما طرأ من التحولات والتقلبات ، المؤدية إلى نماذج من الصراع المفتعل على أمور الديانة والتدين ، حتى صارت أمور النقض والقبض الموعودة ديناً وملّةً ، وفشا الشكُّ والغمز والوقيعة.. وتَبَنَّتْ بعضُ الفرق الإسلامية مبدأ التشريك على ظاهرة الإفراط والتفريط الطارئ في سلوك التصوف والمذهبية ، مما عقَّدَ المسيرة الشرعية بين كافة المسلمين على بقاع المعمورة كلها ، ومنها جزيرة سيلان .

وها أنتم اليوم مع ظاهرةٍ بِدْعِيَّةٍ جديدةٍ ، تعمل على إثارة الصراع في الواقع باسم نصرة آل البيت المظلومين كما يقولون ، وستعمل هذه الأقاويل على استكمال مشروع التفكيك للتركيبات الشرعية التقليدية في المجتمعات ، وتزيد المسلمين وحشة على وحشتهم وفرقة على فرقتهم .

ولا مخرج لنا ولا لكم يا أهل الجزيرة إلا بتفهم الأمر على ما أخبر به منقذ الأمة صلى الله عليه وسلم عن آخر الزمان ومحدثاته ، فصوت المصطفى بعد صوت الله لا يعلى عليه ، ومخرجنا من أزمتنا مرهونٌ بذلك.

فنحن وإياكم على مدى التاريخ القديم والحديث لا علاقة لنا بالفتنة وأربابها ، وإنما علاقتنا بصافي المورد النبوي والأدب الأبوي الذي ورثناه عن سلسلة شيوخنا من أهل البيت المعتدلين ورجال المذهبية والتصوف .. وهم حَمَلَة الإسناد بين العباد.. لا تتغير مبادؤهم ولا علومهم ولا أسانيدهم بتغير المراحل ، ولا تتأثر بأنظمة سياسية تأتي وتذهب في المحيط العاثر ، بل يستمر دورها في خدمة الإنسان من حيث ما حل وكان ، مع احترام أهل الأديان وعدم إكراههم على الدخول قسرا إلى دين الإسلام والإيمان والإحسان ، بل بالحكمة والموعظة الحسنة  والقيام بحق المواطنة ومشاركة الشعوب في التنمية والعمران وخدمة المجتمع من غير إفراط ولا تفريط.

وبهذه المبادئ الإيمانية انتشر الإسلام في جزيرتكم وفي شرق آسيا كلها وفي شرق إفريقيا وفي الهند والسند وغيرها من أرض الله ، ولم تزل الأمة على هذه المبادئ الشرعية ، حتى ظهر عهد الغثائية الذي أخبر عن ظهوره خير البرية فانقلب الأمر على غير ما نعهد ، وبرزت عوامل التهم والتشكيك في المجموع والمفرد يوما بعد آخر وعاما بعد مثله ، تحت رعاية وسمع وبصر المهندسين الأوفياء لمشروع الاحتناك الشيطاني المَقيت ، سواء كانوا في موقع قرار الحكم أو في موقع قرار العلم ، وهم الذين عبر عنهم صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث بأنهم أصحاب تضييع الأمانة وعناصر التوسيد : ( إذا ضُيِّعت الأمانةُ فانتظر الساعة ) ، قال : وكيف إضاعتها يا رسول الله ؟ قال: ( إذا وسد الأمر إلى غير أهله ).

وهذا هو عين تحليلنا للمشكلة منذ نشوئها في وطننا العربي والإسلامي المخدوع ، وهذا هو أساس دراستنا اليوم لموضوع الحالة الراهنة ، وما نحن وإياكم نعيشه في علاقتنا ببعضنا البعض وعلاقتنا بغيرنا من أهل الرؤى والمذاهب .

ولو تركنا الأمر على عواهنه لازداد الأمر تعقيدا ، ولصار الإسلام والدين وعيدا وتهديدا يدمرنا ويدمر غيرنا ، لأنه مشروع الشيطان ، والشيطان لايرحم مسلما ولا كافرا ، لأنه عدو البشرية وليس عدو المسلمين فقط.. وقد فعل .

ولأجل ذلك يجب تظافر البشرية كلها أمام وسائل الشيطان المدمرة لفطرة الله التي فطر الناس عليها ، ومنها مسألة التعايش السلمي في الأرض وعدم التفريط في مسألة العلاقة بين الشعوب على اختلاف عقائدها وأديانها ، مع احتفاظنا بعدالة الدين وسلامة مبادئه أمام كافة المبادئ الأخرى ، وإظهارها وإبرازها في مجال المعاملة والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ( الدين المعاملة ) واستقطاب البشرية إليه.

ومثل هذا سيكشف لنا سر الانقلاب المسيَّس لنا التي استخدمته قوى الشر في العالم حتى أفسدت العلاقات بين الشعوب ، إما باسم الإسلام أو باسم التغيير إلى الأفضل ، وهو ما عبرت عنه الأحاديث الشريفة بمشروع النقض والقبض .

والنقض والقبض في المعنى العقلاني هو ما يعرف بقانون ( الفعل ورد الفعل ) وهذا القانون الوضعي جزء من سيادة الطبع البشري وهيمنته على العقل والدين ، إذ إن الإسلام الصحيح إنما يعتبر الفعل ورد الفعل سيئةً متماثلةً ( وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها ) ، ويضع البديل الصحيح في المعاملة ( فمن عفى وأصلح فأجره على الله ) ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ).

وإنا نحمد الله على حسن المعاملة السديدة التي تتعامل بها دولة سيريلنكا الحكيمة مع مسلمي الجزيرة ، ونرفع أسمى آيات التقدير والشكر إلى رئيس الدولة ووزرائه مؤكدين صدق مشاركة المسلمين في مشاريع التنمية وحفظ الاستقرار والسلام.. والله الموفق والمعين.

التعليقات

comments powered by Disqus

آخر المنشورات

  • أخبار، المدونة 8 مايو, 2019 توضيح
    8 مايو, 2019 توضيح

    صرح مصدر مسؤول بمكتب فضيلة الداعية الحبيب أبوبكر بن علي المشهور أن ما تناقلته بعض الوسائل الإعلامية تابع القراءة

    توضيح
  • أخبار 13 أبريل, 2019 بحضور الموجه العام للأربطة: اختتام أعمال السنة لرباط الإمام المهاجر للعام ١٤٤٠هـ
    13 أبريل, 2019 بحضور الموجه العام للأربطة: اختتام أعمال السنة لرباط الإمام المهاجر للعام ١٤٤٠هـ

    برعاية الموجه العام لأربطة التربية الإسلامية ومراكزها التعليمية والمهنية عميد كلية الوسطية الشرعية للعلوم تابع القراءة

    بحضور الموجه العام للأربطة: اختتام أعمال السنة لرباط الإمام المهاجر للعام ١٤٤٠هـ
  • أخبار 10 أبريل, 2019 ملتقى ادارات أربطة التربية الإسلامية يختتم اعماله بحضور الحبيب ابوبكر المشهور
    10 أبريل, 2019 ملتقى ادارات أربطة التربية الإسلامية يختتم اعماله بحضور الحبيب ابوبكر المشهور

    بحضور الموجه العام لأربطة التربية الإسلامية ومراكزها التعليمية والمهنية عميد كلية الوسطية الشرعية للعلوم الإسلامية العلامة الحبيب د. أبوبكر تابع القراءة

    ملتقى ادارات أربطة التربية الإسلامية يختتم اعماله بحضور الحبيب ابوبكر المشهور
  • من أقوال الحبيب

    إن من واجب العلماء والعقلاء من الحكام ومنفذي قرار العلم والديانة أن يقدروا للأمانة قدرها فيعملوا ما استطاعوا على إعادة لحمة العلاقات الإيمانية بين المذاهب والجماعات والأحزاب والفئات والطوائف والتيارات على أساس مفهوم القواسم المشتركة

    إن قراءة الأمة في مناسباتها الإسلامية تاريخها الشرعي من خلال سيرة الشهور الهجرية وذكرياتها الأساسية على عهد صاحب الرسالة خير باعث علمي وعملي لغرس مفهوم العزة بالله ورسوله ومفهوم النصرة الإيمانية تجاه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في مراحل التحول والتبدل والتحلل المعاصر

    إن الإسلام ديانة.. والديانة ثوابت وأسس ومقومات وبمقدار إعادة الشعوب علاقتها بالديانة والتدين يبدأ مشروع التحصين الإيجابي ضد فيروسات الانحلال والابتذال في حياة النساء والرجال

    الدين سلاح الإيمان والأمان.. من وجهة نظر الإسلام، أما من وجهة نظر أعدائه فهو أفيون الشعوب.. ومن حيثما نبعت ينابيع المعرفة للرجل والمرأة جاء الماء زلالا يحيي الموات، أو ملحا أجاجا يهلك الحرث والنسل والنبات.

    كن كما تريد في الكتل والجماعات والمذاهب.. فلا علاج ولا حلول.. ولكن القيمة الفعلية تبدأ بمقدار معرفتك لقيم الآخرين بقواسم الديانة المشتركة وتوحيد الجهود نحو الهدف الغائي المشترك وبهذا تبدأ الخطوة الأولى في المعالجة

    الحبيب أبوبكر المشهور

    استطلاع رأي

    ما رأيك في الموقع؟

    التصويتالنتائج